شاب مسلم اختار أن يقود العاصمة المالية للعالم بطموح، إنه "زهران كوامى ممدانى" الذي لم يكن فوزه مجرد نجاح فى الوصول إلى أعلى منصب بالمدينة التى لا تنام وتعيش على وقع صراعات عرقية وطبقية وفكرية.
بل يعتبر زلزالا سياسىا حقيقيا يعكس تغيرات الوعى الأمريكى، ورغم تصاعد ظاهرة الإسلام فوبيا ومعدلات العنف ضد المسلمين، إلا مجرد فوزه في الأأنتخابات انتصارا للإسلام في الغرب ويؤكد صعود قيادات تنحاز للعدالة الاجتماعية، وتقاوم مفهوم السياسة المدعوم برأس المال والهيمنة الإعلامية في هذا التقرير نسلط الضوء على سيرته، رؤيته، مواقفه من القضية الفلسطينية، ومغزى اختياره للمهمة العظيمة.
ولد زهران ممداني في 18 من أكتوبر 1991 في مدينة كمبالا التابعة لأوغندا، وهو من أسرة مهاجرة متعددة الجنسيات والتركيبة، ألا أن المعروف عنه أنه من أصول هندية، الأب محمود ممداني مفكر وأستاذ جامعي.
والأم، ميرا ناير، مخرجة سينمائية من جنوب آسيا، وتنقلت العائلة بين أوغندا وجنوب إفريقيا، قبل أن تستقرّ في نيويورك حين كان زهران في السابعة من عمره، ولذلك كان عرف عن زهران بأنه مسلم ومهاجر ومتعدد الثقافات، لأنه ذاق تجربة المنفى والأغتراب، نشأ لديه أحساس بأن «العدالة» ليست مجرد كلمة سياسية، بل واجب أخلاقي وإنساني.
وتخرج ممدانى في كلية "ساينس ماين" وتخصص فى الدراسات الأفريقية،الأمر الذي جعله يدرك تاريخ التمييز والإستعمار والهجرة والثقافات المتداخلة. الطريق إلى الولاية قبل أن يخوض الانتخابات الكبرى، نشأ ممداني في ميدان العمل المجتمعي، كمستشار إسكان للعائلات المعرضة للطرد في كوينز، وهو ما أعطاه معرفة ميدانية بحقائق إسكان المستأجرين وأزمة المعيشة وتداعيات الهشاشة.
وحصل على الجنسية الأمريكية في عام 2018، في عام ٢٠٢٠ ترشح لمجلس ولاية نيويورك وفاز، ولاحقاً عندما أعلن ترشحه لمنصب عمدة مدينة نيويورك، تحولت حملته إلى منطلق رمزي وتاريخي، فهو أول مسلم، والأول من أصول جنوب آسيوية وأفريقية، وأحد أصغر المرشحين لصالح منصب بهذا الحجم.
وما يميز ممداني ليس فقط كونه مرشحا يساريا، بل كونه يحمل رؤية تربط بين الدين والعدالة الاجتماعية والوطنية، فمن أبرز محاور رؤيته: تجميد الإيجارات في الوحدات ذات الاستقرار لحماية المستأجرين من الغرق في لوثة انهيار القدرة على التحمل، وجعل الحافلات في المدينة مجانية أو شبه مجانية، فدعم النقل العام يعد حقا وليس ترفاً، رفع الحد الأدنى للأجور إلى حوالي 30 دولاراً للساعة، ودعم المشاريع التي يمتلكها الناس بدل الشركات الكبرى، وفتح متاجر بقالة تملكها المدينة وتشتري بالجملة لبيع أرخص، لمواجهة أزمة الغذاء العالية التكاليف.
وهذا كله تجسيد لمبادئ العدل وكفالة ذى الحاجة والمساواة والعيش الكريم، كما أن إدراكه للتعدد الثقافي والمهاجرين والمجتمعات المسلمة في نيويورك يجعل منه قائداً يعكس رؤية «المدينة للجميع»، لا تهميش لأحد بسبب العِرق أو الدين أو الأصل.
القضية الفلسطينية يُعد موقف ممداني تجاه فلسطين واضح جدا منذ أن كان في المدرسة فقد قام بتكوين مؤسسة "طلاب من أجل العدالة في فلسطين" كما أنه قدم مشروع قانون في ولاية نيويورك لحجب الإعفاءات الضريبية عن الجمعيات التي تُموّل المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية.
ومعتبرا أن المال الأميركي لا ينبغي أن يستخدم لدعم الاحتلال، وفي أكتوبر ٢٠٢٤صرح بأن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية، ورغم نقده القوي لإسرائيل كدولة، إلا أنه قال لا يوجد مكان لمعاداة السامية في نيويورك، وأنه يميّز بين نقد دولة وبين كراهية جماعة دينية، لهذا فإن ممدانى يرى القضية الفلسطينية مسألة عدالة إنسانية.
وهذا ما يجذب التأييد في العالم الإسلامي والمهاجرين ويؤكد هذا ما صرح به بأن حياة أحفاد المظلومين هنا مرتبطة بحياة أحفاد المقهورين فى غزة. أول مسلم مهاجر يحمل ممداني دلالة رمزية هائلة للمسلمين في الغرب كأول مسلم مهاجر ينتخب لمدينة أمريكية، وهو بذلك يمثل جسرًا بين الأصالة والأغتراب، وبين الهوية المسلمة و الأميركية.
وبين العدالة المحلية والعالمية، مما يجعل رسالته تتجاوز حدود المدينة ويعطى رسالة أن الأمة المسلمة ليست فقط في الساحة الفردية، بل يمكن أن تكون في مواقع القرار، ويجب أن يُنظر إلى ممداني ليس فقط كرمز، بل كقائد يُقيم ما وعد به، ويحمل رؤية واضحة، ويُحاسب على التنفيذ، لأن التمثيل الحقيقي لا يكفي وحده، بل الإنجاز هو الذي يُرسخ. زهران ممداني ليس مجرد اسم يُضاف إلى سجلات السياسة الأميركية.
وبل هو تجسيد لحلم أن يكون للمسلمين والمهاجرين، والطبقات العاملة دور فاعل في صناعة المدن الكبرى، وفي صياغة العدالة، وليس فقط في الاستهلاك السياسي. من وجهة نظر إسلامية، يمكن قراءة انتخابه على أن المدينة تفتح لمن ينشغل بخدمة الناس، بالحق وبالإنصاف وبالإيمان مصداقا لقول رسول الله " صلى الله عليه وسلم": "خير الناس أنفعهم للناس"، وهذا يجعل المسلمين يرون أنفسهم ليسوا فقط متلقّين للسياسة، بل مبدعين ومشاركين في صنع القرار.
ومحرّكين للحوار حول الكرامة والوطنية والعدالة. في هذا الزمان الذي تتشعب فيه الأزمات ، كأزمات المعيشة، السكن، الهوية، الهجرة، فلسطين ، يقف زهران ممداني كمن يقول: «لن ننتظر أن تُقدم لنا المدينة، سنصنعها بأنفسنا، معاً، من أرض الواقع، بخطاب العدالة والخدمة».
ويرى المراقبون بالرغم من نشاط ممدانى النيابى الكبير إلا أنه محدود الخبرة التنفيذية فى إدارة مدينة ضخمة مثل نيويورك، وكمسلم وقائد فى تلك المدينة عليه أن يمثل كل سكان نيويورك ويوازن بين المسلمين وباقى الطوائف، وبخصوص ارتباطه بالقضية الفلسطينية فقد يجذب هذا تأييدًا واسعا، لكنه في المقابل يُعرضه لمقاومة شرسة من جهات ترى أن الموقف من إسرائيل مسألة حساسة في السياسة الأميركية.



